الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

419

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

ولو أرادوا ذلك لعبروا عنه في بعض الأحيان على الوجه المذكور ولم يتجه التزامهم للتعبير بذلك الوجه الموهم لخلاف مقصودهم بل الصريح فيه ومع الغض عن ذلك فلو كانت الشهرة هي الحجة عندهم فأي مانع من حجيتها مع عدم علمنا بمصادفتها للخبر الضعيف بل وعدم مصادفتها له واقعا فإنه إذا كان المناط والملاك في الحجية هو نفس الشهرة دون غيرها لزم صحة الاعتماد عليها مهما حصل وإن لم ينضم إلى الرواية إليها كيف ومن الواضح أن عدم انضمام غير الحجة إلى الحجة لا يوجب سقوط الحجة عن الحجية ففي ما حكموا به من عدم حجية الشهرة الخالية عن الخبر أقوى شهادة على عدم كون الشهرة هي الحجة عندهم فإن قلت إن ذلك بعينه جار في الخبر أيضا فإنهم لا يقولون بحجية الخبر الضعيف في نفسه كالشهرة الخالية عن الخبر قلت غاية ما يلزم من ذلك أن يكون الحجة حينئذ هو مجموع الأمرين المنضمين من دون أن يقال بحجية كل منهما منفردا ولا مانع من التزامه وما أورد عليه من أن انضمام غير الحجة إلى مثله لا يجعل غير الحجة حجة أوهن الشيء إذ من البين تقوية كل منهما بالآخر فلا مانع من بلوغها بعد الانضمام إلى درجة الحجية إذا قام الدليل عليه كذلك حسبما فرض في المقام فلا داعي إذن إلى التزام كون الحجة هي الشهرة ونشير إليه أنه قد ينتهي الأمر في انضمام الظنون بعضها إلى البعض بالوصول إلى حد القطع فيكون حجة قطعا كما في الخبر المتواتر لحصول القطع هناك من تراكم الظنون الحاصل من الآحاد مع عدم بلوغ شيء من آحاده إلى درجة الحجية مع ضعف راويه فأي مانع منه في الواقع ومع الغض عن ذلك أيضا فنقول إن الحجة عند أصحابنا هو الخبر الموثوق به المظنون الصحة والصدور عن المعصوم وإثبات حجيته يتوقف على قيام الدليل عليه وقد بين في محله والشهرة المفروضة من أسباب الوثوق والاعتماد فهي محققة للموضوع المفروض من غير أن يكون هي بنفسها حجة شرعية ولا يثبت بها إذن حكم شرعي حتى يتوقف على قيام الدليل على حجيته في الشرع بل الحاصل به حكم عادي أعني الاعتماد والوثوق بصدق الخبر ولا يتجه القول بعكس ذلك بأن يجعل الخبر محققا لموضوع ما هو الحجة من الشهرة حسبما قد يتخيل في المقام إذ ذاك مع عدم مساعدة شيء من عبائرهم له بل صراحتها في خلافه مما يأبى عنه الطبع السليم بل الاعتبار الصحيح شاهد على أن وجدان الرواية الضعيفة لا مدخل له في كون الشهرة مثبتة للحكم موصلة إلى الواقع فإن الظن الحاصل منها في الصورتين كما يشهد به الوجدان وانضمام الخبر إليها لا يوجب مزيد وثوق بها لو لم يوجب وهنا إذ مع عدم الاستناد إلى الرواية الضعيفة يحتمل قويا وجود مستند واضح لهم حتى إنه اعتمد الجمهور عليه ومع استنادهم إلى الرواية الضعيفة يظهر كون ذلك هو المستند فيضعف الظن المذكور وإن أمكن الذب عنه بأن ضعف الرواية عندنا لا يستلزم ضعفها في الواقع فيستكشف من الشهرة المفروضة كونها معتبرة قابلة للتعويل والاعتماد إلا أن ذلك لا يقتضي ترجيح الظن الحاصل منها في هذه الصورة على الظن الحاصل منها في الصورة الأخرى ففي نفس الأمر مساواة هذه الصورة للأخرى إن لم يرجح الأخرى عليها وبناء الأمر في التفصيل بين الوجهين في الحجية وعدمها على التعبد المحض بعيد جدا بل مما لا وجه له أصلا وقد يجاب أيضا عن الإيراد المتقدم عن صاحب المدارك ليدفع به الاحتجاج المذكور بأنا نختار كون الحجة هي الرواية المنجبرة بالشهرة نظرا إلى استفادته من أنه البناء لظهورها في جواز الاتكال على خبر الفاسق بعد التبين فإن الله سبحانه لم يأمر بطرح الرواية الضعيفة بل أمر فيها بالتثبت واستظهار الصدق فإن ظهر عمل بها وإلا طرحت ولا ريب أن الشهرة مما يحصل التثبت بها وسيظهر صدق الخبر معها وأورد عليه بعض الأفاضل بأنه مبني على تعميم التبيين بها للتبيين الظني وهو منظور فيه إذ ليس معناه لغة إلا انكشاف حقيقة الخبر وصدقه ولا يحصل ذلك إلا بكونه محصلا للعلم به والأصل بقاء هذا المعنى إلى أن يظهر من أهل العرف خلافه بحيث يفهم شموله للظن الحاصل من نحو الشهرة بل الظاهر منهم خلافه والموافقة لمفهوم اللغة وعندي فيه تأمل سيجيء تفصيل القول فيه في بحث الأخبار إن شاء الله ثم إن ذكر الفاضل المذكور أنا لو سلمنا تعميم التبيين الحاصل بالشهرة كانت الآية الشريفة ظاهرة في حجية الشهرة بنفسها مطلقا سواء كانت هناك رواية أو لا فيكون ذلك إذن دليل آخر على حجيتها تقريره ظهور الآية حينئذ في أن الاعتماد في الحكم بمظنون الخبر في الحقيقة إنما هو على التبين دون الخبر فليس رخصة العمل بالخبر بعد التبيين لا من حيث كونه الكاشف عن صدقه والدليل عليه فتكون الشهرة هي الحجة على إثبات مضمونه وذلك قاض بحجية الشهرة مطلقا ولو خلت عن الرواية إذ المفروض أنها المناط في العمل وأنها المبين للواقع والكاشف عن الحق والاعتبار القاطع شاهد على أن الرواية لا مدخل لها في وصف كون الشهرة مبنية ولا في رخصة العمل بها بعد حصول البيان من جهتها وذلك لأن الرواية الضعيفة بنفسها لا تحصل لها إلا التردد بين احتمالي الصدق والكذب ولو ترجح الأول رجحانا ضعيفا فهو غير معتبر في نظر الشارع إذ وجود ذلك الرجحان كعدمه واحتمال صدقها وكذبها متساويان في حكم الشارع فإذا صلحت الشهرة أن تكون دليلا على صحة أحد الجانبين والحكم بأحد الاحتمالين صح كونها دليلا على تعيين أحد الاحتمالين القائمين كذلك في كل مسألة سواء كانت هناك رواية أو لا لما عرفت من أن الدليل الباعث على تعيين أحد الاحتمالين إنما هو الشهرة دون الخبر لكون الاحتمالين على حالهما قبل ورود الخبر وبعده فدلت الآية الشريفة حينئذ على حجية الشهرة دون الخبر المنجبر بها قلت لو تم ما ذكره لكانت الآية الشريفة دليلا على حجية الظن مطلقا من غير اختصاص لها بالشهرة لكنك بعد التأمل فيما قررناه خبير بضعفه فإن حصول الظن بصدق الخبر والوثوق به غير حصول الظن بالحكم ابتداء من غير أن يكون هناك خبر يوثق به وما يستفاد من الآية الشريفة بناء على ما ذكر هو حجية الخبر الموثوق وإن كان الوثوق به من جهة الشهرة ولا يفيد ذلك جواز الاتكال على الشهرة من حيث كشفها عن الواقع ودلالتها عليه بعد بل إنما يدل على الاتكال عليها من حيث كونها محققة لموضوع الدليل أعني الخبر الموثوق به ولا إشعار في ذلك بحجية الشهرة في إثبات الأحكام الشرعية أصلا فكون الخبر الضعيف مع قطع النظر عن الشهرة المفروضة محتملا للأمرين من غير أن ينهض حجة لإثبات أحد الجانبين لا ينافي كونه حجة بعد انضمام الشهرة إليه من جهة حصول الوثوق به بعد انضمامها إليه ولا يستدعي